محمد عبد الله دراز

63

دستور الأخلاق في القرآن

إنّ جمود المفهوم التّشريعي هو في الحقيقة تجميد لحركة البناء الاجتماعي ، وتعطيل لوظيفة المنهاج الأخلاقي ، وهو في النّهاية تضييع لأهداف المجتمع في التّقدم ، والحضارة . على أنّ الجرائم الفاشية لا تستقل بالدلالة على الفوضى الأخلاقية ، فإنّ هناك أمثلة أخرى لجرائم أكثر استتارا ، وإن لم تكن أقل خطرا ، وخذ مثلا موقف الفلاح الّذي يستأجر قطعة أرض يزرعها ، ويستنبط منها الخير الكثير يعول به أسرته ، ومع ذلك تموت يده عن دفع إيجار الأرض لمالكها عندما يحين أجله ، ويختلق شتى المعاذير للتهرب من دفع الحقّ ، مستغلا في ذلك انحياز القانون له ، فهو لا يحرص أساسا على أداء ما عليه ، حرصه على استلاب حقوق الآخرين . أي خلق هذا الّذي يقوم على السّحت ، والاستغلال « 1 » ؟ ! ! وخذ مثلا أيضا العامل الّذي يهمل في أداء مهنته ، أو يستخدم ( الفهلوة ) في إنتاجه ، أو يتمارض اعتمادا على مرونة قوانين العمل ، ونهبا للإجازات المرضية ، والاعتيادية ، والعرضية ، فإذا ما وجّه إلى مراعاة الإخلاص في عمله رفع عقيرته قائلا : ( على قدر فلوسهم ) ! ! ما ذا يمكن أن يكون في هذا السّلوك من خير ، أو ضمان لمستقبل الأمّة ؟ ! ومع ذلك فإنّ كلّ ما قدمنا عن الجريمة ، والانحراف هو في الغالب مما يدخل تحت طائلة القانون ، فهو جريمة بمقياس القانون ، إلى جانب أنّه كذلك بمقياس

--> ( 1 ) يقصد الآيات ، والرّوايات الّتي تحرم أكل مال السّحت ، كثمن الخمر ، والنّبيذ المسكر ، ولا خلاف بين المسلمين في ذلك ، قال تعالى : وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ لَوْ لا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ المائدة : 62 - 63 .